محمد طاهر الكردي

305

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

والوفود ، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم في الانصراف ، قال : وأجرى عليهم الإنزال . ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه وأخلا مجلسه ثم قال : يا عبد المطلب إني مفوض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح به له ، ولكني وجدتك معدنه فأطلعتك طلعه وليكن عندك مطويا حتى يأذن اللّه فيه ، فإن اللّه بالغ فيه أمره ، إني أجد في الكتاب المكنون ، والعلم المخزون ، الذي اخترناه لأنفسنا واحتجناه دون غيرنا خبرا جسيما وخطرا عظيما فيه شرف للحياة وفضيلة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة . قال : أيها الملك مثلك سر وبر فما فداك أهل الوبر والكدر زمرا بعد زمر . قال : فإذا أولد بتهامة غلام به علامة كانت له الإمامة ، ولكم به الزعامة ، إلى يوم القيامة ، فقال له عبد المطلب : أبيت اللعن لقد أتيت بخبر ما آب بمثله وافد قوم ، ولولا هيبة الملك وإعظامه وإجلاله لسألته من سارة آبائي ما أزداد به سرورا ، فإن رأى الملك أن يخبرني بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح ، قال : هذا حينه الذي يولد فيه وقد ولد اسمه محمد بين كتفيه شامة ، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه ، وقد ولدناه مرارا واللّه باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا ، يعز بهم أولياءه ، ويذل بهم أعداءه ويضرب بهم الناس عن عرض ، ويستبيح بهم كرائم الأرض ، يعبد الرحمن ويدحر الشيطان ، ويكسر الأوثان ويخمد النيران ، قوله فصل وحكمه عدل ، يأمر بالمعروف ويفعله ، وينهى عن المنكر ويبطله ، قال : فخر عبد المطلب ساجدا ، فقال له : ارفع رأسك ، ثلج صدرك ، وعلا كعبك ، فهل أحسست من أمره شيئا ؟ قال : نعم أيها الملك ، كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه ، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فجاءت بغلام سميته محمدا ، مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه ، بين كتفيه شامة ، وفيه كل ما ذكرت من علامة . قال له : والبيت ذي الحجب ، والعلامات على النصب ، إنك يا عبد المطلب ، لجده غير الكذب ، وإن الذي قلت ، لكما قلت فاحتفظ بابنك واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل اللّه تعالى لهم عليه سبيلا ، فاطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك ، فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة ، من أن تكون لك الرئاسة فيبتغون لك الغوائل ، وينصبون لك الحبائل ، وهم فاعلون أو أبناؤهم ولولا أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي ، حتى أصير